فخر الدين الرازي

202

الأربعين في أصول الدين

العادات ، وحضور الرزق عندها من غير سبب ظاهر ، من خوارق العادات . وانها ما كانت من الأنبياء ، فوجب أن يقال : أن تكون هذه الوقائع من كرامات الأولياء . فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : ان تلك الخوارق كانت معجزات لنبي ذلك الزمان ، وهو زكريا عليه السلام ؟ قلنا : هذا باطل لوجوه : الأول : ان المعجزة لا بدّ أن تكون أمرا ظاهرا للمنكرين . حتى يمكن الاستدلال بها على المنكر ، وظهور جبريل عليه السلام لمريم ، وحبلها من غير ذكر ، ما كان يطلع عليه أحد ، الا مريم . فكيف يمكن جعل هذه الأشياء معجزة لزكريا عليه السلام ؟ ثانيها : ان عند ظهور المعجز لبعض الأنبياء ، لا بدّ أن يكون الرسول حاضرا ، ولا بد أن يكون القوم حاضرين ، حتى يتمكن ذلك الرسول من الاستدلال بذلك المعجز ، وفي الوقت الّذي كان يقول جبريل عليه السلام لمريم : « وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ، تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا » ( مريم 25 ) ما كان زكريا حاضرا هناك ، حتى يستدل بظهور هذه الخوارق على نبوة نفسه ، بل ما كان أحد من البشر هناك حاضرا ، بدليل قوله تعالى : « فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً ، فَقُولِي : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً » ( مريم 26 ) فبطل القول بأن هذه الأشياء معجزة لزكريا عليه السلام . ثالثها : ان حصول المعجز لا بد أن يكون بالتماس الرسول . وكان زكريا عليه السلام غافلا عن كيفية حدوث هذه الأشياء . بدليل قوله تعالى : « كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ ، وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً . قالَ : يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا ؟ قالَتْ : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » ( آل عمران 37 ) فدل هذا على أن ذلك ما كان معجزة لزكريا عليه السلام . ورابعها : انه تعالى ذكر هذه الخوارق في معرض تعظيم حال مريم ، ولم يذكر معها ما شعر بجعلها معجزة لأحد من الأنبياء . ولو كان